ابن قيم الجوزية

261

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

كان ما نحن فيه رضاك فرضاك الذي نريد ، وما أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب ما لا يرضيك فأما إذا أرضاك هذا منا فرضاك غاية ما نقصده . ( وما لجرح إذا أرضاك من ألم ) وأنت أرحم بنا من أنفسنا وأعلم بمصالحنا ولك الحمد كله عاقبت أو عفوت لانقلبت النار عليهم بردا وسلاما ( وقد روى الإمام أحمد ) في مسنده من حديث الأسود بن سريع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يأتي أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا . وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما » ( وفي المسند أيضا ) من حديث قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله وقال « فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها » فهؤلاء لما رضوا بتعذيبهم وبادروا إليه لما علموا أن فيه رضى ربهم وموافقة أمره ومحبته انقلب في حقهم نعيما ( ومثل هذا ) ما رواه عبد اللّه بن المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن نعيم عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما فقال الرب جل جلاله أخرجوهما فإذا أخرجا فقال لهما لأي شيء اشتد صياحكما ؟ قال فعلنا ذلك لترحمنا ، قال رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها اللّه سبحانه عليه بردا وسلاما ويقوم الآخر فلا يلقي فيقول له الرب ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك ؟ فيقول رب إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها ، فيقول الرب تعالى لك رجاؤك فيدخلان الجنة جميعا برحمة اللّه » ( وذكر الأوزاعي ) عن بلال بن سعد قال : « يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا أخرجا ووقفا قال اللّه لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما ؟ فيقولان شر مقيل وأسوأ مصير صار إليه العباد فيقول لهما بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد قال فيؤمر بصرفهما إلى النار فأما أحدهما فيغدو في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها فيقول إني